بونتو سوغلو: السلطات السورية اختارت سياسة القمع لا الإصلاح
مطالب مشروعة
فاسيلوس بونتو سوغلو رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق
تاريخ النشر: الجمعة 12 أغسطس 2011 تم التحديث: الجمعة 12 أغسطس 2011
قبل أكثر من أسبوعين، وقبل تصعيد نظام الرئيس بشار الأسد حملته الأمنية ضد معارضيه ما أسفر عن مئات الضحايا، كانت "المجلة" أجرت حوارا مع فاسيلوس بونتو سوغلو رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق عبر خلاله عن انشغاله من الأوضاع في سوريا مؤطدا أن وحدهم السوريون قادرون على التوصل إلى حلّ الأزمة في سورية.
وأكد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي أن الأزمة الحالية في سورية إنما هي ردّ فعل على نظام اتّسعت فيه الهوّة بين الدولة و المواطنين معبرا عن أسفه أن السلطات السورية لم تلبّ مطالب المحتجين على نحو موثوق، ما سمح للأزمة بالتفاقم. وفي ما يلي نص الحوار:
المجلة: ما الدور الذي بإمكان الاتحاد الأوروبي تأديته في سبيل حلّ الأزمة في سورية؟
* وحدهم السوريون قادرون على التوصل إلى حلّ الأزمة في سورية. فمنذ بدايتها، كان الاتحاد الأوروبي واضحاً في عرضه تقديمَ الدعم إلى عملية إصلاح من شأنها الاستجابة إلى تطلّعات الشعب السوري، مع الإصرار بطبيعة الحال على وقف العنف و الاعتقالات و الترهيب و الدعوة إلى حوار و إصلاح حقيقيين، بصفتها جميعاً شروطاً أساسية. لقد وجّه الاتحاد الأوروبي عدة دعوات إلى السلطات السورية و حثـّها بقوة على تغيير السياسة، لكن و للأسف تمّ تجاهل تلك العروض و اختارت السلطات السورية سياسة القمع، لا الإصلاح. عقب دعوات متكرّرة، قرّر مجلس الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات تقييدية ضد المسؤولين عن القمع العنيف، في محاولة منه للدفع نحو تغيير السلوك و السياسة.
تقرير المصير
المجلة: ثمة انتقاد واسع مفاده أنه في حين أيّد عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التدخلَ العسكري المباشر في ليبيا منعاً من وقوع ضحايا من المدنيين، إلا أن تلك الدول أبدت تحفظاً ملحوظاً إزاء سورية. كيف يوفـّق الاتحاد الأوروبي هذا الاختلاف في المقاربة؟
* لقد اتّخذ مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة قرارَ التدخل العسكري في ليبيا، و دعم المجتمع الدولي هذا القرار بما في ذلك جامعة الدول العربية. لا بد لنا من مراعاة اختلافِ كل بلد عن الآخر، كما أن التدخل العسكري في سورية ليس في الاعتبار.
المجلة: انطلاقاً من المدة الزمنية التي أمضيتها في دمشق، كيف ترى الأزمة الحالية؟ أهي طائفية؟ أهي مرتبطة بالانتماء إلى فئة اقتصادية معينة؟ أهي ذات توجّه ديني؟
* لا أعتقد أن ما نشهده اليوم يستند إلى معتقدات دينية أو انتماء إلى فئة اقتصادية اجتماعية معينة. إن التطلّع إلى مستقبل أفضل و رغبة المرء في تقرير مستقبله من تلقاء نفسه هما الدافعان الأساسيان وراء الحركات الاحتجاجية عبر المنطقة. إن الأزمة الحالية في سورية إنما هي ردّ فعل على نظام اتّسعت فيه الهوّة بين الدولة و المواطنين، فقد بدأت الأزمة كمظاهرات محلية صغيرة ضد الفساد في مجتمعات محلية و تحوّلت إلى تدفق وطني قوبل - للأسف - بعنف السلطات السورية و قمعها.
المجلة: ما هي أدوات القوة الصارمة و القوة الناعمة المتوفرة لدى الاتحاد الأوروبي في حثّ نظام الأسد على الإصلاح؟ و ما مدى فعالية العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي؟
* ما انفكّ الاتحاد الأوروبي يحاول باستمرار اللجوء إلى القوة الناعمة في تشجيع السلطات السورية على وقف فوري للقمع و إطلاق حوار و إصلاحات موثوقين. إلا أنهم للأسف لم يُصيخوا السمعَ إلينا أو إلى غيرنا من الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي. من الهام أن تقرّ القيادة السورية بأن السبيل الوحيد إلى الخروج من الأزمة هو الحوار الشامل و الهادف و تفعيل برنامج إصلاحات شامل يتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم من دون خشيةِ الاعتقال أو التعرّض للعنف أو أشكال أخرى من الترهيب و القمع.
المجلة: ما مدى التعاون الذي تمّ إلى الآن بين أنقرة و بروكسل للعمل على التوصل إلى حلّ للأزمة؟ هل أدى الاتحاد الأوروبي دوراً في معالجة الأزمة الإنسانية المتزايدة جنوب تركية؟
* إن آراء المجتمع الدولي حول الوضع في سورية تصبّ في خانة واحدة، فهي تلحّ على الحاجة الماسّة إلى وقف العنف و القمع و الشروع بحوار شامل. ثمة قلق بالغ إزاء ما يمكن لهذه الأزمة أن تؤول إليه. فمن الممكن بسهولة أن يمتدّ الصراع في سورية إلى بلدان أخرى في المنطقة مُفضياً بالتالي إلى نتائج مأساوية. لقد شاهدنا عدداً كبيراً من السوريين اللاجئين إلى تركيا. و يبقى الاتحاد الأوروبي على اتصال وثيق بالسلطات التركية كما أنه عرض تقديم أية مساعدة قد تطلبها تركية.
مخرج سلميّ
المجلة: ما مدى الاتصال الذي جرى بين الاتحاد الأوروبي و مجموعات المعارضة في سورية؟ ما هو تقييمك الشخصي لهذه المجموعات و قادتها؟
* يتابع الاتحاد الأوروبي المستجدات في سورية عن كثب، بما في ذلك تطور شتى مبادرات المعارضة. غالبية السوريين، في رأينا، يريدون إصلاحات. و من مصلحة السلطات السورية إشراك المعارضة بغية التوصل إلى مخرج سلميّ و بنّاء من هذه الأزمة. لكن بطبيعة الحال، ثمة شرط مسبق لأية عملية إشراك، ألا و هو إنهاء العنف و القمع و إطلاق ســراح الموقوفين غير المُدانيـن و حريــة الإعلام و النقاش.
المجلة: في رأيك، ما مدى الدعم الذي تحظى به المعارضة في سورية؟ أهو بمقدار الدعم في مصر أو تونس؟
* لقد شاهدنا أعداداً كبيرة من الناس في الشوارع على الرغم من نسبة المخاطر الكبيرة جداً التي ينطوي عليها النزول إلى الشارع، بما في ذلك خطر الموت أو الإصابة البالغة. كما شاهدنا حشوداً مؤيّدة للحكومة بحجم مماثل، إلا أن تلك الأخيرة نالت موافقة صريحة و دعماً تنظيمياً من السلطات، ما عنى طبعاً أن مستوى المخاطرة الفردية كان معدوماً تقريباً. من الواضح أن ثمة مؤيّدين إلى الجانبين، و يبدو أن ثمة غالبية تلوذ بالصمت في المنتصف. ليس عدد الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع الأكثر وثاقة بالموضوع.
في الحقيقة، يبدو أن السوريين جميعاً متفقون على الحاجة إلى الإصلاح. نحن نؤمن بأن التوق إلى التغيير يستند إلى رغبة الناس في العيش في بلد يمارس فيه الجميع حرية التعبير عن الرأي دونما خوف من الاعتقال أو التعرّض للعنف، و حيث يكون الناس جميعاً سواسية أمام القانون، و حيث تتّسم الإجراءات القانونية بالشفافية، و حيث تتمكن وسائل الإعلام من التقصّي و رفع التقارير و التداول بحرية، و حيث يتمكن الجميع من التطلّع إلى إمكانية التوظيف و نيل الفرص الاقتصادية و المشاركة السياسية، على أساس الاستحقاق و الإخلاص، لا على أساس هويتهم أو معارفهم.
المجلة: هل سبق لبعثتكم لقاء الرئيس بشار الأسد؟ و الحال هذه، أترون أنه ما زال قادراً على إنجاز الإصلاحات؟ هل يدعم الاتحاد الأوروبي تغيير الحكومة؟
* منذ بدء الاضطرابات في سورية، أجريَ عدد من اللقاءات على المستويات كافة لتشجيع سورية على تنفيذ إصلاحات حقيقية و جوهرية.
من المؤسف أن السلطات السورية لم تلبّ مطالب المحتجين على نحو موثوق، ما سمح للأزمة بالتفاقم.
علاوة على ذلك، فإن محاولة السلطات التشكيكَ في الدعوات إلى التغيير عازية ً الاضطراب إلى تدخل خارجي أدّت إلى نتائج عكسية و قلّلت من احترام ما وصفه الرئيس الأسد نفسه بمطالب الشعب السوري المشروعة.
زعزعة استقرار المنطقة
المجلة: في ظلّ أرجحيات قوية و مؤكدة باستمرار بقاء الأسد في السلطة، ما تصوّر الاتحاد الأوروبي لمستقبل العلاقة مع سورية؟ بما أن إضعاف سورية داخلياً من شأنه زعزعة استقرار المنطقة، ما هي الخطوات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي لمعالجة مصدر الخطر الجديد هذا في المنطقة؟
* تؤدي سورية دوراً مركزياً في المنطقة و يلوح خطر امتداد الأزمة في سورية إلى بلدان أخرى. نأمل أن تخرج سورية و شعبها قريباً من الأزمة الحالية، كما نأمل أن نرى دولة سورية في خدمة الشعب السوري.
المجلة: كيف ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الاستجابة الأمريكية للأزمة السورية، و لا سيما التقارير الأخيرة حول قيام مسؤولين أمريكيين بتشجيع خارطة طريق انتقالية قامت المعارضة السورية بصياغتها؟
* سأدع لزملائي الأمريكيين شرحَ سياستهم و أركّز على خارطة الطريق. أعتقد أن المجتمع الدولي عموماً يأمل في وجود سبيل إلى الخروج من هذه الأزمة بآلية غير عنيفة. من الواضح للمراقبين جميعاً أن سورية لن تعود إلى ما كانت عليه من ذي قبل. و تحتّم مصلحة الفرقاء جميعاً أن تجري العملية الانتقالية على نحو موثوق و شامل و سلميّ. هذا و يعرِب الاتحاد الأوروبي عن استعداده لمدّ يد المساعدة إلى مثل هذه العملية، شريطة أن تكون حقيقية.
حوار: أندرو بوين


